محمد أبو زهرة
595
زهرة التفاسير
بأيديكم وإرادتكم إلى التهلكة . فلا تكون زائدة . وعلى أن الباء زائدة في الإعراب يكون المراد بالأيدي الأنفس ، من قبيل إطلاق اسم الجزء وإرادة الكل ، والمعنى : لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة . والمؤدى في التخريجين واحد . والنهى عن الإلقاء في التهلكة بعد الأمر بالإنفاق وبعد شؤون القتال ، يعين المعنى بأنه فيما يتعلق بشؤون الدفاع عن الدولة والذود عن حياضها ، وحفظ كيانها ، أو على الأقل يتجه نحو هذه الغاية أو ذلك المرمى أولا وبالذات ؛ ولذلك فسر الأكثرون الإلقاء إلى التهلكة بأنه الكف عن القتال والتقاعد عنه فتكون الأمة نهبا للمغيرين بسبب ذلك ، والكف عن الاستعداد للحرب بإعداد العدة وأخذ الأهبة كما قال تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ . . . ( 60 ) [ الأنفال ] وبقبض الأغنياء أيديهم عن إعطاء حق الفقراء ؛ فيكون بأس الأمة بينها شديدا ، يسهل إغارة المغيرين عليها ؛ ولذلك روى ابن عباس في تفسير هذه الآية وهو ترجمان القرآن ما نصه : لا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا . هذا هو معنى الآية على ما عليه الأكثرون وهو الذي يتفق مع السياق ، ومع المروى في جملته ؛ فقد روى البخاري في سبب نزول هذه الآية أنها نزلت في النفقة ، وروى يزيد بن أبي حبيب عن أسلم قال : « غزونا القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن الوليد والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة ، فحمل رجل على العدو فقال الناس : مه مه « 1 » ! لا إله إلا الله : يلقى بيديه إلى التهلكة ! فقال أبو أيوب الأنصاري : « سبحان الله أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه ، وأظهر دينه قلنا هلم نقيم في أموالنا ، فأنزل الله عزّ وجل : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ والإلقاء باليد إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد .
--> ( 1 ) بمعنى : اكفف .